محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
97
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
والكمال ، متضمّن لمعنى الأمر والحكم والقضاء ؛ ولمّا كان الدين اسما جامعا للطاعة والعمل بأمره والانقياد لحكمه والتسليم لقضائه أضيف اسم الملك إلى يوم الدين . قال اللّه تعالى : وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ وقال : الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ . فأدّى اسم « رَبِّ الْعالَمِينَ » * معنى الخلق ، وأدّى اسم « ملك يوم الدين » معنى الأمر ؛ فالخلقيات كلّها جبروته ، وهي بالأبدان أولى ؛ والأمريات كلّها ملكوته ، وهي بالأرواح أولى ؛ وكذلك الخلقيات كلّها ملكه والأمريات كلّها ملكه . قال الصادق ، أبو عبد اللّه ، جعفر بن محمّد - رضوان اللّه وسلامه عليهما - : « الأرواح ملكه ، والأجساد ملكه ؛ فأحلّ ملكه في ملكه ؛ وله عليها شرط ولها قبله وعد ؛ فإن وفوا بشرطه وفي لهم بوعده . » 399 وقال - عليه السلام - : « إنّ اللّه تعالى أسّس دينه على مثال خلقه ليستدلّ بخلقه على دينه ، وبدينه على وحدانيّته . » 400 فما من موجود من موجودات العالم خلقه من شيء أو أبدعه لا من شيء إلّا ومعه من ملكوته ملك يدبّره ، وكلمة فعّالة تقدّره ، حتّى القطرة من السماء تنزل ومعها ملك ، والذرّة من الأرض تصعد ومعها ملك ؛ والعالمان ليسا يتجاوران تجاور الأجرام ، ولا يختلطان اختلاط الأجسام بالشكل والصورة ، بل هما يتمايزان بالمعنى والحقيقة ؛ وكما أجري عموم وخصوص ( 38 ب ) في اسم الربّ وإضافته إلى العالمين ، يجب أن يجري عموم وخصوص في اسم الملك ، وإضافته إلى يوم الدين . وكما كان كلّ خصوص من عموم ينتهي بشخص معيّن في الخلقيات ، كذلك كلّ خصوص من عموم ينتهي بشخص معيّن في الأمريات ؛ وكما تجلّى الربّ تعالى باسم الربوبية لشخص معيّن أو لشخصين : رَبِّ مُوسى وَهارُونَ ، * وتجلّى باسم الإلهية لأشخاص مخصوصين أو لشخص معيّن : نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً ، وتحقّقت الوحدانية بهذا التخصيص والتعريف ، كذلك تجلّى الربّ تعالى باسم المالكية والملكية لشخص معيّن أو أشخاص مخصوصين ، فقال : أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلهِ النَّاسِ وهم ناس مخصوصون : أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ .